الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
256
تفسير روح البيان
الذيل فإنه تعالى قد بعث الرسل مبشرين ومنذرين إلى جميع الخلق ليدعوهم إلى الايمان مع علمه السابق بان يؤمن بعضهم ويكفر بعضهم والخطاب عم الكل مع علمه باختلاف أحوالهم في الايمان والكفر فهذا من قبيله وسبيله فإنه مالك الأعيان والآثار على الإطلاق وقد قال ابن عباس رضى اللّه عنهما كان ظلوما بحق الأمانة جهولا بما يفعل من الخيانة يعنى لم تكن الخيانة عن عمد وقصد بل كانت عن جهل وسهو كما قال ( فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) والسهو والنسيان مغفور والجهل في بعض المواضع معذور الهنا اصنع بنا ما أنت أهله ولا تصنع بنا ما نحن أهله : قال الشيخ سعدى قدس سره بر در كعبه سائلى ديدم * كه همى كفت ميكرستى خوش من نكويم كه طاعتم بپذير * قلم عفو بر كناهم كش لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ الذين ضيعوا الأمانة بعد ما قبلوها وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الذين خانوا في الأمانة بعدم قبولها رأسا قال في الإرشاد إشارة إلى الفريق الأول اى حملها الإنسان ليعذب اللّه بعض افراده الذين لم يراعوها ولم يقابلوها بالطاعة على أن اللام للعاقبة فان التعذيب وان لم يكن غرضا له من الحمل لكن لما ترتب عليه بالنسبة إلى بعض افراده ترتب الأغراض على الافعال المعللة بها ابرز في معرض الغرض اى كان عاقبة حمل الإنسان لها ان يعذب اللّه هؤلاء من افراده لخيانتهم الأمانة وخروجهم عن الطاعة بالكلية قال في بحر العلوم ويجوز أن تكون اللام علة لعرضنا اى عرضنا ليظهر نفاق المنافقين واشراك المشركين فيعذبهما اللّه وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ الذين حفظوا الأمانة وراعوا حقها قال في الإرشاد إشارة إلى الفريق الثاني اى كان عاقبة حمله لها ان يتوب اللّه على هؤلاء من افراده اى يقبل توبتهم لعدم خلعهم ربقة الطاعة عن رقابهم بالمرة وتلافيهم لما فرط منهم من فرطات قلما يخلو عنها الإنسان بحكم جبليته وتداركهم لها بالتوبة والإنابة والالتفات إلى الاسم الجليل أولا لتهويل الخطب وتربية المهابة والإظهار في موضع الإضمار ثانيا لابراز مزيد الاعتناء بأمر المؤمنين توفية لكل من مقامي الوعيد والوعد حقه وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً مبالغا في المغفرة والرحمة حيث تاب عليهم وغفر لهم فرطاتهم وأثاب بالفوز على طاعاتهم وفي التأويلات النجمية هذه اللام لام الصيرورة والعاقبة يشير إلى أن الحكمة في عرض الأمانة ان يكون الخليقة في أمرها على ثلاث طبقات . طبقة منها تكون الملائكة وغيرهم ممن لم يحملها فلا يكون لهم في ذلك ثواب ولا عقاب . وطبقة منها من يحملها ولم يؤد حقها وقد خان فيها وهم المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات الذين حملوها بالظلومية على أنفسهم وضيعوها بجهولية قدرها فما رعوها حق رعايتها فحاصل أمرهم العذاب المؤبد . وطبقة منها من يحملها ويؤدى حقها ولم يخن فيها ولكن لثقل الحمل وضعف الانسانية يتلعثم في بعض الأوقات فيرجع إلى الحضرة بالتضرع والابتهال معترفا بالذنوب وهم المؤمنون والمؤمنات فيتوب اللّه عليهم لقوله ( وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ) والحكمة في ذلك ليكون كل طبقة من الطبقات الثلاث مرآة يظهر فيها جمال